النويري

15

نهاية الأرب في فنون الأدب

معاوية بن أبي سفيان وعنده زياد ، فرحّب به معاوية وألطفه وقرّبه ولم يكلَّمه زياد بكلمة ، فابتدأه ابن عبّاس وقال : ما حالك يا أبا المغيرة ! كأنك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرة ؛ قال : لا ، ولكنه لا يسلَّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين ؛ فقال له ابن عبّاس : ما ترك الناس التحيّة بينهم عند أمرائهم ؛ فقال له معاوية : كفّ عنه يا بن عبّاس ، فإنك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت . وقالوا : كن على التماس الخطأ بالسكوت بين يدي السلطان أحرص منك على التماسه بالكلام . وقالوا : مساءلة الملوك عن أحوالهم من تحيّة النّوكى . وقالوا : لا تسلَّم على الملك ، فإنه إن أجابك شقّ عليه ، وإن لم يحبك شقّ عليك . وقال الفضل بن الربيع : سنتان مهملتان عند الملوك : السلام والتشميت ، لأنهم يصانون عن كلّ ما يقتضى جوابا . وقيل : لا يقدر على صحبة السلطان إلا من يستقلّ بما حمّلوه ، ولا يلحف إذا سألهم ، ولا يغتّر بهم إذا رضوا عنه ، ولا يتغيّر لهم إذا سخطوا عليه ، ولا يطغى إذا سلَّطوه ، ولا يبطر إذا أكرموه . وقال فيلسوف : إذا قرّبك السلطان فكن منه على حدّ السّنان ، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك ، وارفق به رفقك بالصبىّ ، وكلَّمه بما يشتهى . قال الصاحب بن عبّاد إذا ولَّاك سلطان فزده من التعظيم واحذره وراقب فما السلطان إلا البحر عظما وقرب البحر محذور العواقب وقال أبو الفتح البستىّ : أجهل الناس من كان مدلَّا على السلطان مذلَّا للإخوان .